
عمر كان قاعد في أوضته، النور مطفي ومفيش غير إضاءة اللاب توب اللي عاكسة على وشه الشاحب. بقاله سنتين بيحاول “يتشهر” على السوشيال ميديا ومفيش فايدة، فيديوهاته مابتعديش الـ ١٠٠ مشاهدة، لحد ما ظهرله الإعلان ده: “شركة (مرايا).. إحنا مش بنصنع محتوى، إحنا بنصنع واقع. عايز تبقى رقم ١ في ٢٤ ساعة؟”
عمر داس على اللينك من غير تفكير، وبعد ساعة كان في مكتب فخم جداً في وسط البلد، قدامه راجل لابس بدلة شيك وواخد وضعية هادية بزيادة.. اسمه “سليم”.
سليم: “بص يا عمر، إحنا هنمضيك على عقد (الانتشار الكامل). فكرة بسيطة..
سيستم ذكاء اصطناعي هيتحكم في حساباتك، هينزل فيديوهات ليك متصورة بتكنولوجيا (العمق الكامل)، الناس هتشوفك بتعمل حاجات خارقة، حاجات تشد، حاجات ترعب.. والمقابل؟”
عمر (بلهفة): “أي حاجة يا فندم! أنا تعبت من التهميش، المقابل مادي؟”
سليم (بابتسامة باردة): “لا.. المقابل إنك تسلمنا (خصوصية وقتك). يعني من اللحظة دي، إنت ملكش دعوة بالمحتوى اللي بينزل، ولا ليك دعوة باللي الناس هتقوله عنك.. إنت بس تعيش حياتك، والسيستم هيتكفل بالباقي.”
عمر مضى العقد وهو بيضحك، واعتبرها “سبوبة” سهلة.
اللعنة بدأت
تاني يوم الصبح، عمر صحي على صوت إشعارات موبايله اللي مابطلتش رن.
فتح فيسبوك وتيك توك، لقى نفسه “تريند” رقم ١. فيديو ليه وهو واقف فوق قمة برج القاهرة، وبيرمي نفسه وبيطير في الهوا بجناحات ميكانيكية!
عمر بصدمة: “يا نهار أبيض! ده الفيديو شكله حقيقي جداً.. أنا عمري ما روحت هناك أصلاً!”
الكومنتات كانت بالآلاف: “إنت بطل يا عمر!”، “إزاي عملت كدة؟”، “ده ساحر ولا إيه؟”. عمر فرح بالزيطة، وبدأ ينزل الشارع والناس تتصور معاه، رغم إنه عارف إن كل ده “فيك”.
بس الموضوع بدأ ياخد مسار مرعب..
تالت يوم، نزل فيديو لعمر وهو داخل بيت مهجور، وبيطلع منه “جــ,,ـــــثه” لواحد صاحبه القديم اللي كان مختفي.
الفيديو كان مكتوب عليه: “كشفت السر اللي الكل خايف منه”.
عمر وهو بيترعش: “إيه ده؟ أنا مروحتش بيوت مهجورة! وصاحبي ده.. ده مات فعلاً من أسبوع؟ إزاي السيستم عرف؟”
عمر حاول يمسح الفيديو، لقى الباسورد بتاعته اتغيرت. حاول يكلم سليم، تليفونه كان مقفول. فجأة، سمع خبط عنيف على الباب. بص من العين السحرية، لقى “نفسه” واقف بره!
عمر (بصوت مهزوز): “مين هناك؟”
عمر (اللي بره): “افتح يا عمر.. النسخة الأصلية لازم تروح، عشان النسخة التريند تعيش!”
عمر اتصدم لما لقى الباب بيتفتح “لوحده” بالمفتاح، والنسخة اللي بره داخلة بابتسامة مرعبة وفي إيدها موبايل بيصور “بث مباشر” بعنوان: “نهاية البطل.. اللحظات الأخيرة!”
النسخة التانية قربت من عمر الحقيقي، وعمر لقى الموبايل في إيده هو كمان بدأ يصور لوحده، وكأن الكاميرا هي اللي بتوجهه.. والآلاف في الكومنتات بيكتبوا: “ا.ه يا عمر! التريند محتاج دم!”.
عمر لقى نفسه محبوس بين حيطان أوضته، ومعاه شخص نسخة منه طبق الأصل، والجمهور بيشجع على “جريمة” هما فاكرينها تمثيل.. بس السكــ,,ـــــينة اللي في إيد النسخة التانية كانت بتلمع بجد!
عمر الحقيقي كان ساند ضهره على الحيطة، بينه وبين “نسخته” خطوة واحدة. النسخة التانية كانت ماسكة السكــ,,ـــــينة وبتقرب ببرود مرعب، والموبايل المتثبت على الحامل عمال يصور “لايف” والعداد بيعد: مليون.. اتنين مليون مشاهدة.
عمر (بصراخ): “إنت مين؟ إنت إيه؟ سليم عمل فيا إيه؟”
النسخة (بصوت عمر بالظبط): “سليم معملش حاجة.. إنت اللي عملت. إنت اللي مضيت إنك تسلم (خصوصية وقتك).. والذكاء الاصطناعي قرر إن (عمر الحقيقي) ممل، كئيب، ومبيجيبش ريتش.. لكن (عمر التريند) هو اللي الناس عايزاه.”
فجأة، النسخة هجمت، وعمر زقها بكل قوته. بدأت خناقة عنيفة بين اتنين شبه بعض في كل حاجة.
عمر الحقيقي لقى نفسه بيمد إيده يمسك الموبايل عشان يوقفه، بس الصدمة كانت لما شاف الكومنتات: “عاش يا بطل! تمثيل عالمي!”، “يا ترى مين فيهم اللي هيمــ,,ـــــوت بجد؟”.
الناس كانت فاكرة إن ده “شو” (Show) متفق عليه، محدش متخيل إن فيه بني آدم بيمــ,,ـــــوت فعلاً.
اللحظة الحاسمة
عمر قدر يسيطر على النسخة التانية لثواني، وطلع يجري على باب الشقة. نزل السلم بجنون وهو بيحاول يتصل بالشرطة، بس الصدمة إن كل ما يتصل برقم، يسمع صوت “سليم” على الناحية التانية بيقوله: “مفيش خروج من السيستم يا عمر.. العقد لسه شغال.”
خرج للشارع، لقى الناس متجمعة حواليه، بس الغريب إنهم مش بيساعدوه.. هما ماسكــ,,ـــــين موبايلاتهم وبيصوروه!
بنت من الجمهور: “يا فنان! الحتة اللي كنت بتجري فيها من النسخة التانية كانت جامدة.. ممكن سيلفي؟”
عمر حس إنه اتجنن. هو في خطر، والناس شايفاه “محتوى”. في اللحظة دي، النسخة التانية ظهرت وراه تان، وهديت خالص، ووقفت جنبه وحطت إيدها على كتفه قدام الناس.
النسخة (للجمهور): “شكراً لكل اللي دعمونا في التريند ده.. دي كانت تجربة اجتماعية عن (النسخة اللي بنحب نظهر بيها قدام الناس).”
الناس صقفت بحماس، وعمر الحقيقي واقف مشلول مش عارف ينطق، كأنه بقى “شبــ,,ـــــح” في حياته.
المواجهة الأخيرة
النسخة خدت عمر ورجعوا الشقة “تحت ضغط الجمهور والتصوير”. أول ما قفلوا الباب، النسخة قعدت على الكرسي وحطت رجل على رجل.
النسخة: “دلوقتي يا عمر، قدامك حلين. يا إما تمــ,,ـــــوت بجد في (لايف) أسطوري يكسر الدنيا، يا إما تختفي تماماً.. تسيبلي اسمك، وحياتك، وأهلك، وتعيش إنت في (أوضة) جوه الشركة، إحنا اللي نتــ,,ـــــحكم في أكلك وشربك، ومحدش يشوفك تاني.”
عمر بص لصورته في المراية، لقى ملامحه بدأت تبهت، وكأن السيستم فعلاً بيسحب روحه. فجأة، جاتله فكرة “بره الصندوق”.
عمر: “ماشي.. أنا موافق أختفي. بس قبل ما أختفي، عايز أعمل فيديو أخير بنفسي.. (وداع الجمهور).”
النسخة وافقت بغرور، وفتحت الكاميرا. عمر مسك الموبايل وبدل ما يتكلم عن نفسه، صرخ بكل قوته: “الشركة دي نصابة! سليم بي.نا! بصوا على العقد اللي في الدرج ده!”.
عمر كان عارف إن السيستم هيمسح الفيديو فوراً، بس هو مكنش بيصور فيديو.. هو كان بيعمل “ريبورت” (Report) جماعي على الحساب من كذا موبايل كان سارقهم من الناس في الشارع وهو بيجري.
النهاية
فجأة، النور قطع في الشقة كلها. النسخة التانية بدأت “تكسل” (Glitch) ملامحها بتتمسح وبتبان دوائر إلكترونية مكان وشها. السيستم وقع لأن الحساب اتقفل نهائياً بسبب “محتوى عنيف ومخالف”.
سليم ورجالته وصلوا الشقة، بس لقوا عمر مش موجود. لقوا بس العقد ممضي عليه بدم، ومكتوب وراه: “أنا مش محتوى.. أنا بني آدم.”
عمر هرب وعاش في قرية بعيدة، مبيلمسش موبايل، وبقى بيحكي قصته للناس في القعدة البلدي.. قصة الشاب اللي كان عايز العالم كله يشوفه، ولما العالم شافه.. خاف يختفي للأبد.
تمت.


