مصنع الشمع

في حيٍّ مكتظ بالحياة، وتتشابك فيه الأزقة وتعلو أصوات الباعة في الصباح وتخفت بحلول الليل، كان هناك ذلك المصنع الصغير لتصنيع الشمع في الطابق الأرضي من عقار قديم في شبرا الخيمة. لم يكن المصنع قانونيًا، لكنه كان ملاذًا لأربعة نساءٍ يبحثن عن لقمة عيشٍ صعبة، وطفل صغير، وزوجة شابة تساند زوجها في هذه الحياة القاسية.

«آدم.. آدم جوه»

في ذلك الصباح، خرجت «فوزية» من شقتها في الطابق الثاني تحمل طعامًا بسيطًا لزوجها وابنها «آدم»، الذي أصـ،ـرّ أن يساعد والدته في العمل رغم سنواته الـ11. كان اليوم يبدو عاديًا، كأي يومٍ آخر، حيث تنساب حرارة الشمع المذاب في القوالب، تصحبه رائحة كيميائية خـ،ـانقة اعتادها الجميع.لكن الحياة أحيانًا تتبدل في غمضة عين. اشتعـ،ـلت شـ،ـرارة صغيرة من مـ،ـاس كهربائي، لتـ،ـ،ـلتهم النيران كل ما في طريقها، لم يترك الشمع المُـ،ـ،ـذاب، الذي كان مصدر رزقهم، فرصة للهـ،ـرب؛ بل صار وقودًا يعزز من جحـ،ـيم المكان.تحول صـ،ـراخ النساء إلى سيمفونية من الألـ،ـ،ـم والخـ،ـ،ـوف، بينما امتدت النيـ،ـران من الطابق الأرضي إلى الأعلى، حاول الجيران التدخل، لكن اللهـ،ـ،تب كان أسرع من الأيدي، والدخـ،ـان الخـ،ـ،ـانق كان يحكم قبـ،ـضته على الأنفاس، سمع الجميع صراخ «فوزية»، بأعلى صوتها: «آدم… آدم جوه!»، لكنها لم تخرج قط.

«راحوا في لحظة واحدة»

حين هـ،ـدأت النيران أخيرًا، حمل رجال الإطفاء 7 جثـ،ـ،ـث متفـ،ـحمة إلى سيارات الإسعاف. كان الطفل الصغير ووالدته من بين الضحـ،ـايا، ومعهما 3 نساء أخريات، تركن وراءهن قصصًا لم تُكتَب، وحياةً لم تكتمل.في المشـ،ـ،ـرحة، كان المشهد أشـ،ـد قسـ،ـ،ـوة، الجـ،ـ،ـثث وُضعت في ثلاجة حفظ الـ،ـ،ـمـ،ـ،ـوتى، ملفوفة بملاءات بيضاء، تروي حكايات الألم التي لم تفارق وجوههن حتى في المـ،ـ،ـوت.

وقف الزوج، الذي فقد كل شيء، أمام باب المشـ،ـ،ـرحة، لا يقوى على الكلام، ولا على البكاء، كان الحزن يلفه كعباءة ثقيلة، بينما كانت كلمات الجيران تتكرر حوله: «راحوا في لحظة واحدة… لا حول ولا قوة إلا بالله». وفي الحي، باتت رائحة الحـ،ـ،ـريق تخيم على المكان كأنها تأبى الرحـــ،ـ،ـيل، شاهدةً على مـ،ـأساة لا يمكن نسيانها. في ذلك المكان، لن تُنسـ،ـى ضحكات الطفل «آدم»، ولا وجوه النساء اللواتي كافحن من أجل الحياة، حتى قضين فيها.

حـ،ـريق مصنع الشمع فى شبرا الخيمة

استدعاء مالك الورشة

كانت تلك الليلة درااااامية حد الألـ،ـم، ليلة ذاب فيها الشـ،ـمع، لكنه لم يضيء. بل ترك وراءه ظلامًا في قلوب الجميع.. حين انطفـ،ـأت الـ،ـنـ،ـيران وسكنـ،ـت الصـ،ـرخات، بدأ المشهد يتكشف أمام العيون المذهولة، لكن الألـ،ـم لم ينتهِ. وصلت النيابة العامة إلى موقع الحـ،ـ،ـ،ـاد؟ث مع عناصر المعمل الجنائي، كان الحـ،ـ،ـاد.ث أكبر من مجرد حـ،ـ،ـ،ـريق.

أشارت النيابة العامة في تقريرها الأولي إلى أن الحـ،ـ،ـريق نشـ،ـ،ـب بسبب مـ،ـ،ـ،ـاس كهـ،ـ،ـ،ـربائي في ورشة لتصنيع الشمع، تعمل دون ترخيص في الطابق الأرضي من العقار. النيـ،ـ،ـران لم تجد ما يمـ،ـ،ـنعها من الانتشار؛ فقد كانت المواد المستخدمة في تصنيع الشمع وقودًا مثاليًا لتغذية الكـ،ـ،ـارثة، امتدت النيـ،ـ،ـران إلى الطابق الثاني، حيث تقيم بعض العائلات، لكن الجـ،ـ،ـحيم الأكبر كان في قلب الورشة.أمر فريق النيابة بنقل الجـ،ـ،ـثث الـ7 إلى مشـ،ـ،ـ،ـرحة مستشفى ناصر العام لتحديد أسباب الوفـ،ـ،ـاة.

وقد تبين أن معظم الضحـ،ـ،ـايا لقوا مـ،ـصـ،ـ،ـرعهم نتيجة الاخـ،ـ،ـتناق بالدخـ،ـ،ـان الكثيف، قبل أن تصل النيـ،ـ،ـران إلى أجسادهم. أصدرت النيابة قرارًا باستدعاء صاحب الورشة، الذي كان خارج المكان أثناء الحـ،ـ،ـ،ـريق، للتحقيق في أسباب عمل الورشة دون ترخيص. أعلن محافظ القليوبية حالة الطـ،ـ،ـوارئ فور وقوع الحـ،ـ،ـاد.ث. وأكد مصدر مسؤول على اتخاذ إجراءات صـ،ـ،ـارمة ضـ،ـ،ـد كافة الورش غير المـ،ـ،ـرخصة التي تشكل خطـ،ـ،ـرًا على الأرواح.

في الساعات التالية، لم يكن الحي كما كان، كل زاوية فيه حملت ذكرى عن الضحـ،ـ،ـايا الـ7، الجيران تحدثوا عن «فوزية» التي كانت دائمًا ما تضحك رغم صعـ،ـ،ـوبة الحياة، وعن «آدم» الطفل الذي كان يحلم بأن يصبح طبيبًا يومًا ما. أما النساء الـ3، فكانت كل واحدة منهن رمزًا للصبر والكفاح، يخرجن من بيوتهن مع شروق الشمس ليعدن بشيء قليل يكفي بالكاد لإعالة أسرهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى